مـن دوام النظـر إلى جيـفٍ منتفخـةٍ دوى عليهــــا الذبــاب واستعمرهــــا الـدود يجـيءُ القـيءُ ويكون الغثيان . مـن جـوف نفسٍ التـاعـت بلهيب غيـظ محترق يكـون السُـخـام . مـن فـمٍ كمم دهراً فلمـا أُبيحَ لـه الكـلام كان أولَ نُطقه سُـباب . مـن مـوضـعٍ فــاح منـه ريـح الصِنــان تجـري الأقدام للبـول عليه . علـى رقـاب ذليلـةٍ ممـدودةٍ تُغـري بالصفع يكـون الصفـع . علـى وجـوهٍ خاطئةٍ كالحةٍ ما عاد الماءُ ينفعها يكـون البصـاق . حيـن يبلـغ الظلم مـداه لـمـا لا يبلغ الصراخ أعلاه . لشعراء لووا الحرف استرضـاءً للباطـل لا بـد مـن ( مطر ) هـاطل وألا فطل ليعيد إليـه استقامتـه حتـى لـو اضطر أن يسب ويبــول ويتقئ ويبصـق ويســخر فـالحرف السـيء حين يوضع فـي الموضع السيء يحترم .. اضغط هنا للمتابعة

لدموعِ اليتامى ، لحسرةِ الثكالى ، لجوعِ الجائعين ، لنفي الأحرار ، لسجن المخلصين ، لزفرات المغلوبين ، لرجعِ أنين الجرحى ، للعيون المترقبة خوفاً ، للآذان المنصتة حذراً ، تُذرف الدموع وترِق الكلمات .
لهؤلأ يبكى ( احمد ) دمعاً ( مطراً ) :
سبعون طعنة هنا موصولة النزف
تبدى ولا تخفى
تغتال خوف الموت في الخوف
سميتها قصائدي
وسمها يا قارئي حتفي
وسمني منتحراً بخنجر الحرف
لأنني في زمن الزيف
والعيش بالمزمار والدف
كشفت صدري دفتراً
وفوقه
كتبت هذا الشعر بالسيف .
*****************
حين تلمسَ مطر الواقع بحسِ الاديبِ المدركِ وجده صعباً فالحقُ المندحرُ يتوارى خجلاً من الباطلِ ، والباطل مورد الخد تورد القحة ــ لا حمرة الخجل ــ فمن واقع هذا حاله اتشح شعرُ مطر ببياض من تحته سواد فهو ساخرٌ شاكٍ مضحكٌ مبكٍ لأن حلحلة الأمور لا ينفع معها الجِدُ العابس إنما دوره ينحصر في الإشارةِ من بعيدٍ إلى موطنِ الخطرِ وقد أوضح هذا بقوله :
أنا لست إلا شاعراً
أبصرت نار العار
ناشبةً بأردية الغفاة
فصرخت: هبوا للنجاة .
فإذا أفاقوا للحياة
ستحتفي بهم الحياة
وأن تلاشت صرختي
وسط الحرائق كالدخان
فلان صرخة شاعر
لا تبعث الروح الطليقة في الرفات
****************************
مطر شاعرٌ اقترن اسمه بالسخريةِ متكئاً على ثروة لغوية طوع الاستدعاء ، ناظراً إلى كومةٍ من المخازي ينتقي منها ما يريد للموضوع الذي يريد بأسلوب أدبي ساخر مستعيناً بمفردات صارت كأنها هو وصار كأنها هي .. فمن أُوتيَ موضوع وكَلِم ووفق في اختيار الكَلِمِ المناسب للموضوع المناسب أبدع . أحدهم مطر قادر على أن يصنع البسمة والدمعة في آن ويعرف جيداً متى يستعمل إحداها ويستبعد الأخرى . أفاد جيداً من المفارقات اللامعقوله ليضع البسمة على الشفاه فمن قصيدةِ الألثغ المتحمس للحاكم الذي أساءَ من حيث أرادَ أن يحسنَ فبدلاً أن يقول : الحاكم ورداً قال : الحاكم وغداً لتكون النهاية المحزنة بعد البسمة ( وجد الألثغ مدهوساً بالصدفة عمدا )…. إلى ولي أمرٍ يخشى الحرام وفعله ويتحرى السؤال عن الحلال من فم مفتٍ مأجور فحين يسأله عن الزنى يقول له انه مساج وحين يسأله عن المسكر يقول له انه شاي .. وتكون النتيجة انه يتكل على المفتي ويفعلها !! … ومن اشد المفارقات سعي الدولةِ على مصادرةِ ملكِ الأفراد مع الحرص على تبيان السبب مع أن قوتها وجبروتها تغنياها عن البيان كما فعلوا عندما صادروا تلفازه قائلين : تلفازكم يا ابن الزنى على النظام (بال ) …. وكلمة ( بال ) تحتمل معنيين إحداهما أرادتهُ الدولةُ وهو نظامٌ من أنظمةِ الاستقبالِ شانهُ شان النظام (سيكام ) ومعنىً أراده الشاعر وهو البول الذي يخرج من المثاني .
ما من أحد امتلك ناصية الكلم وقلبها على الوجه الذي يريد للموضوع الذي يريد من شعراء الشعر الحر مثل مطر فهو بحق ملك الشعر الحر من حيث دقة التعبير وسعة الخيال الشعري مع واقعية الحدث ودقة الوصف دون أن يغرق أو يَسُفَ .. فوق هذا غزارة في الإنتاج .
*********************************
السخرية في الأدب نوعان : هازل وجاد وكلاهما الهازل والجاد ميدانهما إما النظام السياسي وإما النظام الاجتماعي فمن ايهما شعر مطر ؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من التمييز بين سخريةٍ هازلةٍ وأخرى جادةٍ وبين سخريةٍ اجتماعيةٍ وأخرى سياسيةٍ ولنأخذ مثالاً على ذلك كتاب البخلاء للجاحظ والذي أصفه بأنه أدب اجتماعي ساخر هازل .. لماذا ؟ … اجتماعي لان البخلاء شريحة اجتماعية قاعدتها الأساسية من الناس العاديين ومن كان منهم يشتغل بالسياسة قليل نادر ليس له حكم .. وهازل لان الجاحظ لا يرجو من السخريةِ عليهم أملاً في التغير فالبخيل سيظل بخيل .
أما شعر مطر أصفه بأنه أدب سياسي ساخر جاد .. لماذا ؟ .. سياسي لأنه يَطالُ أعلى الرؤوس ويتعرض للمتنفذين في الحكم وإليهم ينُسب الفساد والخراب إما بشكل مباشر مستعملاً رمزاً يسهل فكه والتعرف على الشخصية السياسية المقصودة أو بشكل غير مباشر من خلال قصة اجتماعية أو موقف إنساني أو أي حدث اجتماعي كحادث مرور عادي أو مقابلة تلفزيونية لشخص ما أو لحوار يدور بينه وبين والده أو لطالب يتعلم الحساب أو…. أو…أ و تحطم طائرة في كراتشي (مثلاً ) ليوظف هذا الحدث الاجتماعي لهدف سياسي بأسلوب ساخر ….
وهازل جاد لأنه يأمل من خلف سخريته أن يصنع ثورةً وتمرداً وعصياناً كما أن الشاعرِ نفسهُ ( كما جاء على لسانه في قصيدة عنوانها من المهد إلى اللحد ) لم يكن يبغي من سخريته استقدام المُسخرِ منهم بغيةَ استرضائه واستمالته فهو ليس للبيع أو الشراء .
****************************
أرى أن للسخرية عند مطر مذاق يستهويني كما استهوى ملايين أمثالي ربما لصدق الرجل وربما لأنه لامس مشاعرنا وعانق انفعالاتنا وربما لأننا في الهم شرق .


تحياتي اخي بو جواد
لا تكن كقمة الجبل ترى الناس صغارا ويراها الناس صغيرة
احترامي
العيب في الجبل أم في الناس … حتى ينحسم الجدل يعلو الناس ويسوى الجبل .
أجمل ما في الكتابة ان لا نربط الموضوع كما نربط الابل !!
تحياتي اخي طويل البال
ولا يحسن ( اخي وصديقي ) ان تنفلت من عقالها لتهيم على وجهها في صحراء الغشم والتيه .
المفاهيم التي تملأ لغتنا وحياتنا وحواراتنا متعدده ، فما هو جميل عند احدنا قد لا يعني شيئا عند آخر ذلك ان مفهوم الجمال الابداعي والجمال الانساني نسبي .. من هذا المنطلق قالوا إذا ساءك من اخيك قول فأحمله على الف ظن والا فاتهم نفسك بسوء الفهم
صدقت
ورثة إبليس
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه
“.وقال : ” إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه
ودارت الأدوار فوق أوجه قاسية، تعدلها من تحتكم ليونة ،
فكلما نام العدو بينكم رحتم تقرعونه ،
لكنكم تجرون ألف قرعة لمن ينام دونه
وغاية الخشونة ،
أن تندبوا : ” قم يا صلاح الدين ، قم ” ، حتى اشتكى مرقده من حوله العفونة ،
كم مرة في العام توقظونه ،
كم مرة على جدار الجبن تجلدونه ،
أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة ،
دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه ،
لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه
المشرف : من شابه اباه وعمه فما ظلم